ابراهيم بن عمر البقاعي
71
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وبيانها على ما وضح والحمد للّه ولما كان حاصلها رحمة ولطفا ونعمة ، لا يقدر عظيم قدرها ، وينقطع العالم دون الوفاء بشكرها ، أعقب بما ينبغي من الحمد يعني أول سبأ - انتهى . ولما كان ذلك مفهما لمخالفة كل ما يدعو إليه كافر . وكان الكافر ربما دعا إلى شيء من مكارم الأخلاق ، قيده بقوله : وَاتَّبِعْ أي بغاية جهدك . ولما اشتدت العناية هنا بالوحي ، وكان الموحي معلوما من آيات كثيرة ، بني للمفعول قوله : ما يُوحى أي يلقى إلقاء خفيا كما يفعل المحب مع حبيبه إِلَيْكَ وأتى موضع الضمير بظاهر يدل على الإحسان في التربية لينوي على امتثال ما أمرت به الآية السالفة فقال : مِنْ رَبِّكَ أي المحسن إليك بصلاح جميع أمرك ، فمهما أمرك به فافعله لربك لا لهم ، ومهما نهاك عنه فكذلك ، سواء كان إقبالا عليهم أو إعراضا عنهم أو غير ذلك . ولما أمره باتباع الوحي ، رغبة فيه بالتعليل بأوضح من التعليل الأول في أن مكرهم خفي ، فقال مذكرا بالاسم الأعظم بجميع ما يدل عليه من الأسماء الحسنى زيادة في التقوية على الامتثال ، مؤكدا للترغيب كما تقدم ، وإشارة إلى أنه مما يستبعده بعض المخاطبين في قراءة الخطاب لغير أبي عمرو : إِنَّ اللَّهَ أي بعظمته وكماله كانَ دائما بِما تَعْمَلُونَ أي الفريقان من المكايد وإن دق خَبِيراً فلا تهتم بشأنهم ، فإنه سبحانه كافيكه وإن تعاظم ، وعلى قراءة أبي عمرو بالغيب يكون هذا التعليل حثا على الإخلاص ، وتحقيقا لأنه قادر على الإصلاح وإن أعيى الخلاص ، ونفيا لما قد يعتري النفوس من الزلزال ، في أوقات الاختلال . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 3 إلى 5 ] وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 3 ) ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ( 4 ) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 5 ) ولما كان الآدمي موضع الحاجة إلى تعظيم الترجية قال : وَتَوَكَّلْ أي دع الاعتماد على التدبير في أمورك واعتمد فيها عَلَى اللَّهِ المحيط علما وقدرة ، ولتكرير هذا الاسم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء في هذا المقام شأن لا يخفى كما أشير إليه .